محمد بن عبد الملك الديلمي

34

شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية

أعقبه كثرة الندم ، ومن استغنى باللّه أمن من العدم ، ثم تركني ومضى . وقال : مررت في وادي كنعان ليلا ، وإذا بشخص أقبل يقرأ : وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [ الزمر : 47 ] ، فلما قرب إذا به امرأة ، فقالت : من أنت ؟ قلت : غريب ، قالت : وهل تجد مع اللّه غربة ، مؤنس الغرباء ومعين الضعفاء ، فبكيت فقالت : ما هذا البكاء ؟ قلت : قد وقع الدواء على الداء قالت : إن كنت صادقا فلم بكيت ؟ قلت : والصادق لا يبكي ؟ قالت : لا ؛ لأن البكاء راحة القلب وملجأ يلجأ إليه ، وما كتم القلب شيئا أحق من الشهيق والزفير ، وأما البكاء فهو ضعف . وقال : كنت على شاطئ النيل ، فرأيت عقربا ، فأردت قتلها فهربت ، فوقفت على الشاطئ ، فركبت على ظهر ضفدعة ، فقامت بها حتى وصلت للجانب الآخر فنزلت عن ظهرها ، وإذا برجل نائم وهو سكران ، وثعبان قد أقبل عليه ليلدغه ، فأسرعت العقرب نحو الثعبان فلدغته فتقطع ، فأيقظت الرجل ، فقام مرعوبا ، فأخبرته الخبر ، فأطرق ثم قال : يا رب ، هكذا تفعل بمن عصاك ، فكيف بمن أطاعك ؟ فوعزتك لا عصيتك أبدا . وقال : اجتمعت في جبل نيسان بامرأة متعبدة كالشّنّ البالي ، كأنها تخبر عن أهل المقابر ، فسألتها أين موطنك ؟ قالت : ما لي وطن إلا النار أو يعفو العزيز الغفار ، قلت : هل من وصية ؟ قالت : شمّر عن ساق الجد ، ودع ما يتعلق به البطالون من الرجاء الكاذب الذي لا تحقيق لهم فيه ، ولا يدرون كيف العواقب ، فو اللّه لا يرد غدا المنزل إلا المضمرون . وقال : ركبت سفينة ، فسرقت منها قطيفة ، فاتهموا رجلا نائما ، فقلت : دعوني أترفق به ، وإذا الشاب أخرج رأسه من عباءته وقال : أقسمت عليك بي يا رب لا تدع واحدا من الحيتان إلا أتى بجوهرة ، وإذا بوجه الماء كله حيتان في أفواهها الجواهر ، ثم ألقى نفسه في البحر ، ومرّ على وجه الماء الساحل كالبرق . وقال : رأيت شابا عند الكعبة يكثر الركوع والسجود ، فقلت له فيه فقال : أنتظر الإذن من ربي بالانصراف ، فسقطت عليه رقعة من العزيز الغفور إلى عبدي الصادق مغفورا لك . وقال : مررت في سياحتي برجل عنده عين ماء تجري ، فأقمت عليه يوما وليلة فلم يكلمني ثم قال : رأيتك يا بطّال حين أقبلت لكن ما ذهب ووعك من قلبي إلى الآن ، قلت : ما الذي أفزعك مني ؟ قال : بطالتك في يوم عملك ، وشغلك في يوم فراغك ، وتركك الزاد ليوم